دريان في الذكرى الثلاثين لاستشهاد المفتي حسن خالد: كان أَكبر خصوم الانقسام الداخلي

2019-05-16 13:41:00

 زار مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان ضريح المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد في منطقة الاوزاعي، بمناسبة الذكرى الثلاثين لاستشهاده بحضور ممثل رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري عمار حوري والنائب فؤاد مخزومي وسفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد البخاري.

وقال دريان: "تمضي العقودُ على استشهادِ مفتي الجمهوريةِ اللبنانية الشيخ حسن خالد، وتبقى ذِكراه متجدّدةً وحاضِرة. وذلك لأنَّ استشهادَه يرتبِطُ بمحاولاتِ إنهاءِ النِّزاعِ الداخلي، وإعادةِ الاستقرارِ إلى لبنان. وقد كان للمفتي حسن خالد يَعرِفُ المخاطِرَ التي تَتهدَّدُه نتيجةَ مَساعيه، للتواصُلِ بالداخلِ اللبناني، وللتواصُلِ مَعَ العرب. لكنَّه ما توقَّفَ عنِ المُحاولةِ بلِ المُحاولات، ولا تَزَعزَعَ إيمانُه بالمسؤوليةِ والقُدرةِ والاتِّكالِ على اللهِ عزَّ وجلّ.

تَحْضُرُ الذِّكرَى الثلاثين لِاستِشهَادِ المُفتِي الشيخ حسن خالد هذا العام، فتُوقِظُ في نفوسِنا المُثُلَ والأخلاقَ والقِيَمَ التي كانت تُحَرِّكُه، ولعلَّ المِفتاحَ الأساسَ لِفَهمِ شَخصيَّتِه، هو تعبيرُ أو مُصطَلَحُ  أخلاقِ المسؤولية.

تَحضُرُ اليومَ الذِّكرَى الثلاثين لِاستِشهَادِه. وهي ذِكرَى عَزِيزَةٌ على قلوبِ المسلِمِينَ واللبنانيينَ والعَرَب؛ لِلمَوقِعِ السَّامِي الذي احْتَلَّهُ المُفتي الشهيد، في عُمقِ المَشْهَدِ الدِّينِيِّ وَالسِّيَاسِيّ، طَوَالَ سَنَوَاتِ النِّزَاعِ الدَّاخِلِيّ.

وأضاف: لقد كانَ المُفتِي الشهيد حسن خالد أَكْبَرَ خُصُومِ الانْقِسَامِ الدَّاخِلِيّ . وَقَدْ عَمِلَ كُلَّ مَا بِوُسْعِهِ لِإنهَاءِ ذَلِكَ النِّزَاع . فَمِنْ وِجْهَةِ نَظَرِه، أنَّ كُلَّ الأسْبَابِ التي كانِ يِذكُرُها المُتَقَاتِلون، لا تَسْتَدْعِي حَمْلَ السِّلاح، ولا الاسْتِعَانَةَ بِهذَا الطَّرَفِ أو ذاك، على الاسْتِمْرَارِ في التَّقَاتُل. وقد رَأَى دَائماً أنَّ التَّدخُّلاتِ الخارجية، وَإِغرَاءَ الأَطْرَافِ على تَسعِيرِ النِّزَاع؛ كُلُّ ذَلِكَ يُهَدِّدُ الوُجودَ الوَطَنِيّ، وَالعَيشَ الإسلامِيَّ – المَسِيحِيَّ في لبنانَ وَالمَشرِقِ العَرَبِيّ. فَالحَلُّ يَكونُ بِعَودَةِ أَطرَافِ النِّزَاعِ إلى رُشْدِهِم، وَمُعَالَجَةِ كُلِّ المُشْكِلاتِ على طَاوِلَةِ التَّفَاوُضِ وَالتَّوَافُق.

وتابع قائلا: في العام 1983 أَصْدَرَ المُفتِي خالد مَعَ الشَّيخ شَمسِ الدِّين، وَثِيقَةَ الثَّوَابِتِ العَشَرَة، التي تَنُصُّ على أنَّ لبنانَ وَطَنٌ نِهَائيٌّ لِجَمِيعِ أبنائه. وَلِأَنَّ التَّوَاصُلَ بَينَ السِّياسيينَ كانَ مُعَطَّلاً بِسَبَبِ سَيطَرَةِ أُمَرَاءِ الحَرب؛ فإنَّ المُفتِي خالد عَمَدَ إلى جَمْعِ السِّيَاسِيِّينَ بِدارِ الفَتوَى بِشَكلٍ مُنَظَّم، لِلتَّشَاوُرِ في طَرِيقَةٍ لِوَقْفِ النِّزَاع. وَكَانَ شِعَارُهُ الدَّائم، العَودَةَ إلى الدَّولةِ القَوِيَّةِ وَالعَادِلَة، وَحُكْمِ القانون، وَالانْطِلاقَ مِنْ قِيَامِ الدَّولةِ الحَرِيصَةِ على الأرضِ وَالشَّعب ، لِمُقَاوَمَةِ العَدُوِّ الإسْرَائيلِيّ ، الذي وَصَلَ إلى بيروت . وَعِندَمَا تَدَخَّلَ العَرَبُ لِإنهَاءِ الحَرب، وَشَكَّلُوا لَجنَةً لذلك، تَعَاوَنَ مَعَهَا المُفتِي الشَّهِيد، وَمَضَى وَالبَطرِيَركِ صْفَير إلى الكويت لِلاجْتِمَاعِ بِها، وَقَدَّمَ لها اقْتِرَاحَاتِه، وَعَلى طَرِيقِ المَسَاعِي لِإنهَاءِ النِّزَاع ، اُسْتُشْهِدَ المُفتِي حسن خالد في 16 أيار عام 1989 في تَفجِيرٍ لِمَوكِبِه، بِجِوَارِ دَارِ الفَتْوَى، بِمَحَلَّة عائشة بكار . وَلِذَلِك ، فَقَدْ فَاتَهُ رَحِمَهُ الله ، مُؤتَمَرُ الطَّائف، الذي أَنْهَى النِّزَاعَ المُسَلَّح، وَأَصْدَرَ وَثِيقَةَ الوِفَاقِ الوَطَنِيّ ، آخِرَ العام 1989.

وفي خِضَمِّ مَسَاعِيهِ لِلتَّصَدِّي لِلنِّزَاعِ الوَطَنِيِّ وَمَخَاطِرِه، مَا غَفَلَ الشَّهِيدُ عَنْ مُوَاجَهَةِ الأَزْمَةِ الاقْتِصَادِيَّةِ وَالمَعِيشِيَّة، التي تَسَبَّبَتِ الحُرُوبُ بِهَا ؛ فَقَامَ على إنشَاءِ صُندُوقِ الزَّكَاة، لِمُكَافَحَةِ الفَقْرِ وَالحَاجَة، وَتَوجِيِهِ المُسلِمِينَ إلى ضَرُورَاتِ التَّضَامُنِ لِلإِطْعَامِ مِنَ الجُوع ، وَالأَمْنِ مِنَ الخَوف.

وختم: المُفتِي الشَّهِيد حسن خالد، هو الذي أَعَادَ صِيَاغَةَ دَورِ دَارِ الفَتوَى، بِحَيثُ تَظَلُّ دَاراً لِسَائرِ اللبنانيين ، وَمَرجِعِيَّةً في أَزْمِنَةِ الرَّخَاءِ وَالشِّدَّة ، وَعَلى يَدَيه، وَبِهَذا الهَمِّ وَالأُفُق، تَرَبَّى الجِيلانِ اللذانِ يَسُودَانِ في هذا المَجَالِ الدِّينِيِّ إلى هذه الأيام . ولذلك، وعلى خُطَاهُ رَحِمَهُ الله، نُعْلِنُ اسْتِمْرَارَنَا عَلَى العَهدِ وَالوَعد ، وَالأَمَانَةِ لِلوَطَنِ وَالمُوَاطِنِين . وَعَلى ثَغْرِ الأَمَانَةِ هذا ، اُسْتُشْهِدَ عُلَمَاءُ مِنَّا ، مِنْهُمُ الشيخ أحمد عساف، والدّكتور صُبحِي الصَّالِح . وَنَحنُ عِندَمَا نَتَذَكَّرُ شُهُودَهُمْ وَشَهَادَتَهُمْ رَحْمَةُ اللهِ عليهِم ؛ فَإنَّنَا نُعلِنُ الثَّبَاتَ على المَبَادِئِ التي أَرسَوهَا ، وَالآفَاقَ التي افْتَتَحُوها.